ابن قيم الجوزية
102
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
رؤيا عين . أريها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة أسري به » ومع هذا فأصبح بينهم لم يتغير عليه حاله ، ولم يعرض له صعق ولا غشي ، يخبرهم عن تفصيل ما رأى ، غير فان ، عن نفسه ، ولا عن شهوده . ولهذا كانت حاله أكمل من حال موسى بن عمران عليه السلام لما خرّ صعقا حين تجلّى ربه للجبل وجعله دكّا . أسباب هذا الفناء وهذا الفناء له سببان : أحدهما : قوة الوارد وضعف المورود . وهذا لا يذم صاحبه . الثاني : نقصان العلم والتمييز . وهذا يذم صاحبه . لا سيما إذا أعرض عن العلم الذي يحول بينه وبين هذا الفناء ، وذمه وذم أهله . ورأى ذلك عائقا من عوائق الطريق . فهذا هو المذموم المخوف عليه . ولهذا عظمت وصية القوم بالعلم ، وحذروا من السلوك بلا علم . وأمروا بهجر من هجر العلم وأعرض عنه ، وعدم القبول منه ، لمعرفتهم بمآل أمره ، وسوء عاقبته في سيره « 1 » . وعامة من تزندق من السالكين فلإعراضه عن دواعي العلم ، وسيره على جادة الذوق والوجد ، ذاهبة به الطريق كل مذهب . فهذا فتنته والفتنة به شديدة . وباللّه التوفيق . أصل الفناء وأصل هذا الفناء : الاستغراق في توحيد الربوبية . وهو رؤية تفرد اللّه بخلق الأشياء ، وملكها واختراعها ، وأنه ليس في الوجود قط إلا ما شاءه وكوّنه . فيشهد ما اشتركت فيه المخلوقات من خلق اللّه إياها ، ومشيئته لها ، وقدرته عليها ، وشمول قيوميته وربوبيته لها . ولا يشهد ما افترقت فيه من محبة اللّه لهذا وبغضه لهذا ، وأمره بما أمر به ، ونهيه عما نهى عنه ، وموالاته لقوم ومعاداته لآخرين . فلا يشهد التفرقة في الجمع . وهي تفرقة الخلق والأمر في جمع الربوبية . تفرقة موجب الإلهية في جمع الربوبية ، تفرقة الإرادة الدينية في جمع الإرادة الكونية ، تفرقة ما يحبه ويرضاه في جمع ما قدره وقضاه . ولا يشهد الكثرة في الوجود . وهي كثرة معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى ، واقتضاؤها لآثارها في وحدة الذات الموصوفة بها . فلا يشهد كثرة دلالات أسماء الرب تعالى وصفاته على وحدة ذاته . فهو اللّه الذي لا إله إلا هو ، الرحمن الرحيم ، الملك القدوس ، السلام المؤمن ، المهيمن العزيز ، الجبار المتكبر . وكل اسم له صفة ، وللصفة حكم . فهو سبحانه واحد الذات ، كثير الأسماء والصفات . فهذه كثرة في وحدة . والفرق بين مأموره ومنهيه ، ومحبوبه ومبغوضه ، ووليه وعدوه : تفرقة في جمع . فمن لم
--> ( 1 ) فإذا كان هذا حالهم في الحرص على العلم ، فما لهم يدعون إلى وحدة الوجود ؟ اللهم إلا إذا كان علمهم غير ما قال اللّه وقال الرسول .